لكن الأيام تعيد ترتيب الأسماء

.د. أمين عبدالخالق العليمي:
في زمنٍ ازدحمت فيه الأرقام حتى ظن الناس أنها الحقيقة، وصارت الارقام لاتغير شئ، وغرقت المجالس في الأوصاف حتى خُيّل للبعض أنها الإنجاز، ضاعت البوصلة بين ضجيج القول وصمت الفعل، وأصبح المشهد العام مسرحاً تُرفع فيه الستائر على الواجهات، بينما تُخفى الحقائق في الكواليس، جمهورٌ يصفق أو يعترض من بعيد، ولاعبون على المكشوف يتبادلون الأدوار، وكلٌّ يزعم أنه المنقذ وهو جزء من الأزمة،
لقد دخلت مجتمعات كثيرة مرحلةً صار فيها الذكاء الماكر يُقدَّم على الحكمة، والحيلة تُسوَّق على أنها مهارة، والتذاكي يُلبس ثوب القيادة، حتى غدا صاحب المبدأ غريباً في ساحاتٍ كانت تُقام لأجله، وصار الفهلوي معجباً بنفسه، يحدّث الناس عن نجاحٍ صنعه بالالتفاف لا بالاستقامة، ويطلب التصفيق على براعةٍ لا شرف فيها، بينما الشريف يقف بعيداً، قليل الكلام، كثير الأثر، لكنه لا يجيد المتاجرة بنفسه ولا يعرف فنون الضجيج،
وحين تتحول الأخلاق إلى سلعة، وتصبح المبادئ قابلة للمساومة، فإن الخلل لا يكون في الأسواق وحدها، بل في النفوس أيضاً، يومها يُقاس الإنسان بما يملك لا بما يحمل من قيم، ويُكرَّم من يجمع ولو بغير حق، ويُهمل من يصون ولو بخسارة، وتلك أخطر مراحل الانحدار، لأن خراب الحجر يُعالج، أما خراب المعنى فيحتاج إلى أجيال،
هدم الجدار سهل الإصلاح، أما هدم الضمير فأصعب من بناء ألف جدار، لقد صار الكسب الحلال عند بعض الناس ضرباً من السذاجة، لا لأن الحلال ضعيف، بل لأن النفوس استعجلت الثمرة ونسيت البركة، وما أكثر من جمعوا المال فخسروا الطمأنينة، وما أقل من اكتفوا بالقليل فربحوا راحة البال،
فالقيمة ليست فيما يدخل الجيب، بل فيما يبقى في الوجه من كرامة، وفي القلب من سكينة،
أما الكلمة، تلك التي كانت قديماً عهداً وموقفاً ورسالة، فقد أصابها ما أصاب غيرها، جُزئت حروفها، ورُكّبت معانيها، وزُيّنت ألفاظها، حتى صارت أداة تمويه بدل أن تكون مصباح هداية، يتحدث كثيرون، لكن قليلاً من يقول الحقيقة، ويكتب كثيرون، لكن نادراُ من يكتب بضمير،
ومع ذلك، فإن قوانين الحياة لا تنقلب إلى الأبد، والفوضى مهما لبست من ثياب النظام تبقى مكشوفة، والزيف مهما طال عمره قصير الأجل، فالأمم قد تتعثر لكنها لا تموت إذا بقي فيها عقلاء يرفضون الانخداع، وشرفاء يعملون بصمت، وأحرار يميزون بين البريق والنور،
إن الواجب اليوم ليس البكاء على اختلال الموازين، بل إعادة بنائها، وليس لعن الظلام، بل إشعال مصابيح الصدق والكفاءة والعدل، فالدول لا تنهض بالمخادعين، ولا تستقر بالمهرجين، ولا تبنى بمن يتاجرون بكل شيء، وإنما تقوم على أكتاف الأمناء، وعقول الحكماء، وسواعد المخلصين،
وسيبقى الحق، وإن تأخر ظهوره، أصدق من كل رقم، وأعلى من كل وصف، وأبقى من كل ضجيج .





